الحلبي

175

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

والخوارج قوم يكفرون مرتكب الكبيرة ، ويحكمون بحبوط عمل مرتكبها وتخليده في النار ، ويحكمون بأن دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر ولا يصلون جماعة . وسبب مقاتلة سيدنا علي كرّم اللّه وجهه لهم أنهم نقموا عليه التحكيم الذي وقع بينه وبين معاوية في صفين ، وقالوا لا حكم إلا اللّه ، وأنت كفرت حيث حكمت الحكمين ، فإن شهدت على نفسك أنك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين واستأنفت التوبة والإيمان نظرنا فيما سألتنا من الرجوع إليك ، وإن تكن الأخرى فإنا ننابذك على سواء وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ [ يوسف : الآية 52 ] فلما أيس من رجوعهم إليه قاتلهم . وحرقوص هذا أول مارق من الدين ، وكان رجلا أسود ، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة . فقد جاء عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن فيهم رجلا له عصد وليس له ذراع ، على رأس عضده مثل حلمة الثدي ، عليه شعرات بيض » . ولما قاتلهم علي كرّم اللّه وجهه وقتل غالبهم التمس ذلك الرجل فأتي به ، فإذا هو له ثدي كثدي المرأة . وفي رواية التمسوه في القتلى فلم يجدوه ، فقال عليّ كرم اللّه وجهه بنفسه فطاف في القتلى فأخرجوه من بينهم ، فكبر عليّ كرم اللّه وجهه ، ثم قال : صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، سمعته يقول « إن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع ، على رأس عضده مثل حلمة الثدي ، عليه شعرات بيض » فقام إليه عبيدة السلماني ، فقال : يا أمير المؤمنين : واللّه الذي لا إله إلا هو أسمعت هذا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : إي واللّه الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له . وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : « لما أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجدوا في أنفسهم » أي غضبوا « حتى كثرت منهم القالة » أي وهي القول الرديء « أي حتى قال بعضهم إن هذا لهو العجب يعطي قريشا » وفي لفظ : « الألفاء والمهاجرين ، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم » أي وفي لفظ : « إن هذا لهو العجب ، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش ، وإن غنائمنا تردّ عليهم » وفي رواية : « إذا كانت شديدة ندعى إليها ويعطي الغنيمة غيرنا » وفي رواية : « سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم ، فإن كان من أمر اللّه صبرنا ، وإن كان من أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم استعتبناه ، فدخل عليه سعد بن عبادة رضي اللّه عنه ، فقال : يا رسول اللّه إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم » ، أي غضبوا « لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاما ، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء ، قال : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ فقال : يا رسول اللّه ما أنا إلا من قومي ، قال : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة » أي وهي قبة من أدم . أي وفي